الشيخ عبد الغني النابلسي
254
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
ثمّ إنّه بشّره بما قدّمه من سلامه عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّا . فجاء بصفة الحياة وهي اسمه وأعلم بسلامه عليه ، وكلامه صدق فهو مقطوع به . وإن كان قول الرّوح : وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 ) [ مريم : 33 ] أكمل في الاتّحاد ، فهذا أكمل في الاتّحاد والاعتقاد وأرفع للتّأويلات . فإنّ الّذي انخرقت فيه العادة في حقّ عيسى إنّما هو النّطق ، فقد تمكّن عقله وتكمّل في ذلك الزّمان الّذي انطقه اللّه فيه . ولا يلزم للمتمكّن من النّطق - على أيّ حالة كان - الصّدق فيما به ينطق ، بخلاف المشهود له كيحيى . ثم إنه تعالى بشّره ، أي زكريا عليه السلام بما قدمه تعالى على خلق يحيى عليه السلام وإظهاره من سلامه تعالى عليه ، أي على يحيى عليه السلام يَوْمَ وُلِدَ ، أي ظهر في الدنيا وَيَوْمَ يَمُوتُ ، أي يخرج منها إلى البرزخ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [ مريم : 15 ] ، أي يخرج من البرزخ إلى القيامة ، وعالم الآخرة حيث قال سبحانه : وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) [ مريم : 15 ] وسلم هو تعالى على يحيى عليه السلام اعتناء بشأنه فجاء تعالى في ذكر البعث بصفة الحياة له وهي اسمه يحيى عليه السلام وهو الذي يذبح الموت في صورة كبش بين الجنة والنار ، أي يعرضه على أهل الجنة وأهل النار فيعرفونه كما ورد في الخبر « 1 » وذلك من خصوصيته عليه السلام بكمال التحقق بصفة الحياة الحقيقة ، حتى يغلب على حقيقة الموت في صورة الكبش فيميته ، وإذا مات الموت فإنه يحيا ويدخل الجنة ، لأن أصله منها ، ولهذا جاء به جبريل عليه السلام إلى إبراهيم عليه السلام فداء لابنه فذبحه في الدنيا ، وهي عالم الخيال المطلق ، وكان ذبحه في صورة ابنه في عالم خياله المقيد أيضا وهو منامه ، فلم يبرح من البرزخ حتى تقوم الساعة فيذبحه يحيى عليه السلام في ذلك العالم الحقيقي وهو ثالث مرة فيموت ويعود كما
--> ( 1 ) ونصه : عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يجاء بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال : يا أهل الجنة هل تعرفون هذا فيشربون وينظرون ويقال : يا أهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ثم يذبح ثم يقال : يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود لا موت » . رواه الطبراني في الكبير عن محمد بن زيد عن ابن عمر ، حديث رقم ( 13346 ) [ 12 / 361 ] ورواه النسائي في السنن الكبرى عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 11317 ) [ 6 / 393 ] ورواه غيرهما .